آخر الأخبار

عن أخي أحمد.. حينما تلزمني رئيسة التحرير! 

عن أخي أحمد.. حينما تلزمني رئيسة التحرير! 

كتب محمد الأطرش

تسلل رئيسة التحرير صباحاً نظرها إلى شاشة الكمبيوتر، وأنا أكتب منشوراً “شخصيّاً” على صفحتي. ظلّت تسترق النظرات حتى شاهدتني أقيّد خصوصيته من عام إلى “أنا فقط”.

طلبت بكل لطف أن تقرأ ما كتبت، وبما أني أثق برأيها، وافقت. وفي اللحظة التي كانت تقرأ بتعجّب، خطر في بالي أمران: الأول أن تقول لي: لا تكتب في وقت العمل، والثاني أن “تتفزلك” على لغتي، فهذه عادة المحررين!

على وجه السرعة، خالفتْ توقعاتي وطلبت مني أن أطوّر المنشور إلى مقال. ردي كان جاهزاً: هذا أمرٌ شخصي، ولا يمكن لي ذلك، بما أني لا أحسن الكتابة عن نفسي.

تجادلنا مطولاً حتى صار قراراً إلزاميّاً.

في السنوات الأخيرة، أعددت عشرات القصص التلفزيونية والإذاعية عن الأسرى، وقدمت برنامجاً خاصّاً بهم، لكن أجد يدي ترتجف حينما يتعلّق الأمر بكتابة ما يخصني أنا، وحينما يرتبط الخبر والقصة بشقي الآخر، أجد نفسي أبتعد شيئاً فشيئاً، حتى أهمل ذلك لأقول: “غيره ضحّى أكثر منه”، فلا أعلم إن كانت دوافعي في عدم الكتابة، ترتبط باعتباره قصّة طبيعية، وتشبه إلى حد كبير قصص رفاقه في السجون، فهؤلاء سبعة آلاف، ومن الذي سيعطيهم نصف حقهم!

قبل أن أشرع في كتابة المنشور، كنت على وجه الصدفة أقلّب صور الهاتف، مررت بصورة شقيقي أحمد، الذي دخل عامه الرابع داخل سجون الاحتلال، فهو يمضي هذه المرة حكماً بالسجن لست سنوات.

أحمد هذا قصّة مختلفة بين إخوتي، فقبل اعتقاله الأخير، أمضى ثلاثة أعوام ونصف العام خلال ستة اعتقالات متفرقة، وبين هذه الاعتقالات أصيب ثلاث مرات، إحداها كانت كفيلة باستشهاده لولا لطف الله ورحمته، لكن بيننا نقول مزاحاً: “عمر الشقي بقي”.

ينتهي حكم أحمد بعد أقل من ثلاث سنوات، ويخرج لنا من السجن بعمر 27 عاماً، يعني أن عشرة أعوام من عمره أمضاها في السجون!

عندما كنا صغاراً، كان أخي أحمد أقلنا “مشاكل” بين أقرانه، لكن المميز فيه جرأته الزائدة حينما يتعلق الأمر بهجوم المستوطنين، واعتداءات الاحتلال.

ما زلت أذكر كيف تربص أحمد لأحد المستوطنين الذي كان يمر من شارع الشهداء في الخليل بسيارته، ومن مسافة صفر ألقى حجراً كبيراً داخل مركبته، أدى ذلك لإصابة المستوطن بيده، حينها كان أحمد يبلغ من العمر 15 عاماً، تمكن من الانسحاب فوراً، وبدأ يراقب من مسافة قريبة، وأثناء اقتحام المنطقة، اعتقلت الدورية بشكل عشوائي طفلاً يسكن في المنطقة، ويعرف بين أقرانه بأنه يعاني من مرض خطير. كان الأهالي يحذرون أبناءهم من الاعتداء عليه خشية الموت، بعد اعتقاله بلحظة، كان الجميع يشاهد كيف اقتاده عشرات الجنود، وإذ بأحمد يتقدم تجاه الجيش ويقول لهم: “أنا اللي ضربت الحجر، هذا ما عمل إشي”. اعتقل أحمد حينها، وأمضى حكماً بالسجن 14 شهراً.

حينما أفرج عنه، طلبنا منه ألا يقترب من نقاط الاشتباك، وأن يبتعد عن مناطق الاحتكاك، حتى لا يسجن مرة أخرى. عدنا للمنزل يوم الجمعة، وكنت أنهيت تغطيتي للأحداث، وبدأت أشاهد أنا وأحمد وعائلتي مشاهد إلقاء الحجارة على الدوريات. سألت أحمد في تلك اللحظة: “إنت كنت موجود في المواجهات؟”، أجاب بالفم الملآن: “طبعاً لأ”. وحظّه السيئ أن المصوّر أعجب بلثامه وبدأ يقرّب عليه شيئاً فشيئاً.. الجميع صرخ: هذا أحمد.. نعم، إنه يتقدم نحو الجيب!

كان يخشى في كل مرة من توبيخه، فعائلتنا في ذلك الوقت كانت تخشى استشهاده بعدما استشهد رفاقه أثناء المواجهة.

عدت من العمل في مساء يومٍ كانت الخليل تغلي على صفيح ساخن، وأنا أتوقّع أن يكون أحمد قد شارك في مواجهات منطقة باب الزاوية، فتحت باب غرفتنا، وجدته ملقى على سريري ورأسه ملفوفة بالشاش الأبيض، وساقه ممدودة وملفوفة أيضاً، وقبل أن أسأل، أجاب: “إصابة عمل، في الشغل انضربت والمعلّم أخذني ع المستشفى”.

الإجابة غير مريحة، وأنا مضطرٌ لأصدق!

على الطاولة، كان أحمد قد ترك أثراً لم يلقِ له بالاً. هناك ورقة، وليس من عادته الاحتفاظ بالأوراق، فتحتها لأرى: “أحمد الأطرش– إصابة أمنية”.

كان أحمد أصيب بساقه وأكمل المواجهات، وأصيب برأسه ونقل للمستشفى، لكنّه رفض أن يخبر العائلة، التي كانت دائماً تخاف أن تودعه شهيداً.

هذا أخي، وليس سهلاً أن يكتب الإنسان عن نفسه، أهم ما فيه علاقة بالوطن لا يمكن وصفها، يمكن أن أقول –على الأقل– إنه لا يؤمن بالتعايش تحت السطوة!